خالو أحمد الصباغ

مدونة أحمد الصباغ ترحب بكم .. من الآن لكى تستطيع أن تعبر عن أرائك وغضبك من الاحتلال ومن النظام الحاكم .. فعليك أن تمتلك مدونة .. وحجر .. وحذاء Welcome to my blog! Here you will find all things about me.. i am 31 years Egyptian Blogger .. i blogging on journalism, Poetry, Caricature, Photography, Arts, Sports.. The main ait for me is to connecting people and to discover myself..Ahmed....Welcome to my blog! Here you will find all things about me.. i am 31 years Egyptian Blogger .. i blogging on journalism, Poetry, Caricature, Photography, Arts, Sports.. The main ait for me is to connecting people and to discover myself..Ahmed....Welcome to my blog! Here you will find all things about me.. i am 31 years Egyptian Blogger .. i blogging on journalism, Poetry, Caricature, Photography, Arts, Sports.. The main ait for me is to connecting people and to discover myself..Ahmed

Dec 21, 2009

مقال جمال البنا عن الدكتور إبراهيم أبو العيش 2

أراد إبراهيم أبوالعيش أن يصنع من صحراء بلبيس جنة، وأن يتغلب على كل الصعوبات التى جعلت الناس تدعى أن ذلك يتطلب عمر نوح، ومال قارون، وصبر أيوب، «وعلى أضواء مصابيح أسمائه الحسنى شرعت فى السير على الطريق الذى أردته لنفسى» كما قال.
ووسط صحراء بلبيس اكتشف منطقة ترتفع حوالى ثلاثين مترًا، لأنه لا يحب الأرض التى فى استواء أرض الدلتا رغم ما قيل له إن المياه لا يمكن أن تصلها، ولكن شيئاً ما جعله يتمسك بها، وينتهى الأمر لأن يشترى مائة وأربعين فداناً، وذللت عملية البيع بمعونة المهندس إبراهيم شكرى، الذى كان وقتئذ وزير الزراعة.
وفى الوقت نفسه بدأت المصاعب، فبعد أن حضر مساحون استقدمهم من القاهرة شرع هو نفسه فى مسح سبعين ألف متر مربع مستعيرًا الأدوات اللازمة لذلك، فراح يدق الحديد فى نقاط معينة من الرمال، ثم رفع مسطح الأرض على الورق.
وجاء دور شبكة الطرق، فحدد طريقاً رئيسيًا يمتد من جنوب شرقى الأرض إلى شمالها الغربى، مارًا بمركزها، ومن هذا الطريق تفرعت الطرق الجانبية بزوايا قائمة على اليسار واليمين، مقسمًا بذلك المساحة الكلية إلى حقول يبلغ الواحد منها ستة أفدنة.
ثم أخذ يحفر الآبار، واحدة فى الشمال الغربى حيث أراد أن ينشئ حظائر الحيوانات، والأخرى فى الجنوب الشرقى بجوار البيوت التى تضمها الأحياء السكنية.
واشترى جرارًا كان يستخدمه فى شق الأرض، وهو يتطلع إلى ورقة بين يديه، وكان بعض البدو يرونه كأنهم يرون كائناً قادمًا من كوكب آخر، واستطاع أن يستأنس بعضهم، فنصبوا لهم دورًا من القش، وأسند إليهم بعض الأعمال المساعدة.
وكانت عملية شق البئرين من أشق الأعمال واستقدم إبراهيم فريقاً يمارس هذه الحرفة، ثم صنع الآلاف من قوالب الطين بواسطة إطارات من الخشب يصبون فيها الأسمنت والرمل، وكان الماء يصل إليهم عن طريق جرار يحمل خزان مياه من ترعة الإسماعيلية.
وكان العمال يحفرون بجرافات ساذجة، يحفرون نصف المتر الأول من الرمل ثم بدأوا فى بناء جدارًا دائريًا من قوالب الطوب الأسمنتى على مدار محيط الحفرة التى صنعوها، وبانقضاء الليل يتصلب الأسمنت ويستأنف العمل مع الصباح فى الحفر حتى يبنوا جدارا دائريا آخر تحت الأول، وراحوا يثبتون قضباناً من الحديد فى الطوب ليتعاملوا معها كدرجات السلم، كما راحوا يفرغون الحفرة من الداخل للخارج.
وعلى عمق خمسة وعشرين مترًا فى بطن الأرض بدأ الرمل الذى تم تفريغه مبتلاً، وبعد استمرار الحفر لمسافة خمسة أمتار أخرى جاء حفـَّار البئر بماسورة من الحديد طولها ثلاثة أمتار وقطرها ثلاثون سنتيمترا، وثبتها إلى رافعة على حافة البئر، وعندما وصلت الماسورة إلى عمق السبعين والثمانين مترا كان الرمل الذى يرفع من الأعماق مختلطاً بالمياه.
أخيرًا ظهرت المياه، ولكن كيف يمكن أن نرفعها إلى سطح الأرض؟!
أخذ أبوالعيش يقرأ ويبحث عن المضخات وطاقة تشغيلها وبمجرد أن وجد ما هو فى حاجة إليه حتى أخذ يبحث عنه فى القاهرة ووجده فى السبتية فحصل منهم على محرك كهربائى قديم ومضخات دوارة وبعض صمامات الضبط والتحكيم وكذلك على مولد للكهرباء يعمل بالديزل ونقلها جميعًا إلى المزرعة، ولم يكن تشغيل هذه المعدات بالكفاءة المطلوبة سهلاً، وكان لابد من التغيير والتبديل.
وكان إبراهيم أبوالعيش يريد زرع غابة من الأشجار، واستطاع أن يزرع حوالى ١٢٠ ألف شجرة من كازورينا وكافور.
وكان الشغل الشاغل له تأمين استمرار الطاقة ليس فحسب لعمليات الرى ولكن الإضاءة، وكان تعطيل المولد واردًا كما كان يعنى توقف كل شىء، لهذا عمد إلى إقامة شبكة من خطوط الكهرباء وظلوا يعملون خلال عامين، كان أبوالعيش وزوجته الألمانية التى جاءت من القاهرة لتشاركه العمل يعملان دون انقطاع ويحرصان على أن يتناول العمال وجبات ساخنة من لحم خروف كان يذبح كل أسبوع، وعندما كلل العمل بالنجاح وأضاءت المزرعة بالكهرباء نحروا بقرة ودعوا كل من عمل بالمزرعة للطعام.
ولسنوات طويلة كان العمل كله بذرًا لن يحصد أو يثمر إلا بعد سنوات، وكانت هناك حاجة للبحث عن تمويل وسمع أن شركة أمريكية تبحث فى مصر عن مستخلص نبات الخلة البرى فاتصل بها، وكانت الشركة تريد الخلاصة النشطة المتبلورة (أمويدين)، الموجودة فى بذور هذه النباتات لعلاج البقع الجلدية.
لم يكن أبوالعيش يعرف شيئاً عن هذا النبات ولكنه عكف على الدراسة وأمضى أيامًا فى التمييز بين بذور النبات، كما أمضى ليالى أخرى طويلة ليخطط لإنشاء وحدة لتحضير هذه الخلاصة، وعندما تم كل هذا شرع فى بناء ورشة عمل واشترى حديد الصلب الذى لا يصدأ لتصنيع معدات استخلاص المادة، وأبرم عقدًا مع الشركة الأمريكية، جاءت فى أثره قوافل الجِمال والشاحنات محملة بالبالات من نبات الخلة، وأخذ قرضًا من البنك الأهلى بضمان عقد الشركة واستكمل بناء المعمل وغرف التشغيل، طبقاً للمواصفات الأمريكية واستعان بالطبع فى هذا بأصدقائه من الألمان.
وفى الوقت نفسه كانت المزرعة بدأت تقدم منتجاتها من الجبن والزبد واللبن والخضراوات.
ورزق أبوالعيش معونة صادقة من أفراد أسرته زوجته وابنه حلمى وابنته منى، وعندما تزوج حلمى من ألمانية تدعى كونستانس كانت هى التى تتولى بيع هذه المنتجات للسفارة الألمانية والمدارس الألمانية.
تفرغ أبوالعيش بعد ذلك لفكرة الزراعة الحيوية التى لا تعتمد على الأسمدة الكيماوية ولكن على السماد الحيوانى، وقاومت وزارة الزراعة الفكرة التى تصورت أن الكومبوست له أضرار على البيئة، وقيل له إنه ليس زراعيًا، فعكف على تحضير محاضرة غاية فى الفنية وتدل على باعه العميق فى فنون الزراعة.
مع كبر المزرعة كانت الحاجة إلى فنيين أكفاء تتزايد ولم يجدهم أبوالعيش فى المصريين الذين كانوا فى حاجة دائمة إلى المراقبة، ووجد ما يطلبه فى مجموعة من زملائه وأصدقائه فى ألمانيا كانوا قد جاءوا فى وفد سياحى لزيارة مصر، فدعاهم أبوالعيش إلى «سيكم» ودعاهم لمشاركته أيضًا فتحمسوا وانهمكت «أنجيلا هوفمان» فى العناية بالماشية، وراحت تعمل مع زوجة حلمى فى صناعة الجبن والقيام على شؤون المخبز وأشرفت على شحن أربعين بقرة، كما انضم إليه أربعة آخرون.
واستطاعت هذه المجموعة أن تريح أبوالعيش شيئاً ما، ولكن ذلك جاء متأخرًا، فنتيجة لعمله الدائب ليلاً ونهارًا وإحساسه بالمسؤولية تعرض لأزمة فى القلب، وأخذوه إلى ألمانيا للعلاج وظل فترة طويلة فى العناية المركزية حتى تماثل للشفاء من جلطة بالشريان التاجى.
                                    ***
إن «سيكم» كانت «كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا»، وقد توفرت لها عناصر النجاح التى مكنتها من الانتصار على الصعاب، ومن المضى قدمًا فى مشروعه الرائد،
فبعد أن كانت مزرعة أصبحت أصلاً لمدارس وشركات مثل شركة ليبرا وشركة أتوس، ومعاهد تبدأ من حضانة أطفال العاملين أو من الشوارع أو المعوقين، ومركز طبى، ومركز تدريب مهنى، وأكاديمية سيكم للعلوم والفنون والتكنولوجيا، وامتزجت فيها المُـثل الإسلامية بروائع الموسيقى والبحث العلمى الدقيق.
كان فى إبراهيم أبوالعيش شىء من روبرت أوين وشىء من طلعت حرب، فكان لديه إحساس إنسانى عميق يدفعه للقيام بالرعاية والخدمة للعاملين جميعًا، وكان لديه وعى وطنى يدفعه لتأسيس شركات واحدة بعد الأخرى، بالاختصار فإن هذا الرجل غرس فى صحراء بلبيس القاحلة مجتمعًا إنسانيًا ينمى العقول ويشبع البطون ويشيع المحبة والأخوة بين الناس.
وقد كافأه الله مكافأة المحسنين، فاعترف الجميع بريادة «سيكم»، وزارتها حرم الرئيس مبارك ودكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب، ومنحت «سيكم» جائزة نوبل البديلة أو جائزة الحياة العادلة، وتسلم أبوالعيش هذه الجائزة من البرلمان السويدى،
ودعيت «سيكم» إلى المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس حيث سنحت لها فرصة أن تعرض على اقتصادىّ العالم كيف وضعت موضع التنفيذ تلك الأفكار المثالية فى صحراء وعرة، كما تلقت من البنك الدولى الدعوة لعرض فكرتها عن التنمية المستدامة، بل إنها تلقت من مجموعة من الأهالى كانت معارضة وناقدة، فحوّلها أبوالعيش إلى صديقة متعاونة ترسل لوحة بالخط العربى المُذَّهب «سيكم مبادرة إسلامية».
مع هذا كله، فإنى أعتقد أن هذه التجربة الرائدة الناجحة لم ترزق حقها فى الذيوع والانتشار، وأنه كان واجبًا أن نجد فى طريق عملها حلاً للكثير من مشاكلنا القومية ولو أن المسؤولين استفادوا منها الفائدة الواجبة لكان يمكن أن نجد عشرات من «سيكم» تغطى البلاد من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، فإذا كانت الظروف الراهنة لم تسمح بهذا، فستظل مصدر إلهام للأجيال الآتية.